محمد شرشال: 40 عاماً من الإبداع.. ومكالمة هاتفية أنهت كل شيء

الأكثر قراءة

Loading

في هذا الحوار الحصري مع الفنان المسرحي الجزائري محمد شرشال، يفتح قلبه ويروي تفاصيل مسيرته الفنية الطويلة، مليئة بالإنجازات والجوائز العربية والدولية، لكنه يعبر أيضاً عن ألمه العميق جراء الظلم والاستبعاد الذي تعرض له في السنوات الأخيرة. يتحدث شرشال بصراحة عن تحديات المسرح الجزائري، مشاريعه الطموحة مثل “ميتا شو”، ونظرته النقدية للواقع الثقافي في الجزائر، مما يجعل هذا اللقاء شهادة حية على صراع المبدع مع الظروف والأنظمة. يبرز الحوار روح المثابرة والفخر بالوطن، رغم الغموض الذي يحيط بمستقبله الفني.

 

حوار: صارة بوعياد

كيف يستقبل شرشال السنة الجديدة؟

سؤال حساس جداً، على المستوى العائلي استقبلت السنة في جو من الفرح والتفاؤل والسعادة، محاولاً أن أزرع في أبنائي بوادر النجاح والأمل والمثابرة للعام الجديد، أما على المستوى الشخصي فلا أخفي عليكم أنني استقبلت السنة الجديدة وفي أعماقي حزن كبير وخيبة أمل مما حدث من ظلم ومن تهميش وإبعاد قسري عن الخشبة التي أعطيتها كل عمري. سنة 2026 بالنسبة لي سنة غامضة جداً لا أدري ما يخفيه القدر، حيث أرى أن الأفق مغلق وغامض وأن هناك ضبابية كبيرة، وأنا عاجز عن إنجاز مشاريع فنية عامة ومشاريع مسرحية على وجه الخصوص.

 

وكيف ينظر شرشال إلى مساره ومشواره في المسرح بين التأليف والإخراج؟

أنظر إلى مساري بعين الفخر لكل ما قدمته للمسرح الجزائري من تأليف وإخراج، في المجال المسرحي أو التلفزيوني حيث قدمت أجمل الإبداعات، ولست نادماً على ما قدمت للجزائر بل بالعكس هو مصدر فخر ومصدر اعتزاز، وخاصة تلك الجوائز التي جلبتها لوطني ومنها جوائز فريدة من نوعها لم تجلب منذ مدة للمسرح الجزائري كجائزة سلطان القاسمي لأحسن عرض عربي “جي بي أس”، إضافة إلى جائزة أحسن إخراج بنفس العرض من المهرجان الدولي لقرطاج وجوائز أخرى أفخر بها، ولهذا أنا لا أندم على مشواري وأنظر إليه بعين الفخر لما قدمته للمسرح الجزائري، وإذا كنت تقصدين آفاق مشواري أو ما ينتظرني فعلمه عند الله، أنا الآن تجاوزت عتبة الستين من العمر والمفروض في هذا السن أشتغل أكثر لأنني استجمعت تجربة قرابة الأربعين سنة، ولكن تشاء الأقدار وتشاء أيادٍ نافذة في الشأن الثقافي على استبعادي، لأكون بعيداً عن المشهد المسرحي وأن تتوقف مسيرتي مؤقتاً أقول مؤقتاً لأنني أمل دائماً أن أعود إلى الخشبة.

“تم توقيفي بمكالمة هاتفية من المسرح الوطني”

ماذا حدث بالضبط في بيت بشطارزي؟

في السنة الماضية كما هو معلوم كنت أشغل منصب مدير الدائرة التقنية بالمسرح الوطني الجزائري ولقد ارتقيت بها حيث يشهد الجميع أنني قمت في سنة واحدة فقط بمشاريع كبيرة ونهضت بهذه الدائرة وقمت بواجباتي على أكمل وجه، والجميع يعلم أنني كنت منضبطاً وقدمت الكثير لهذا المسرح.

وفي 19 مارس 2025 استدعاني المدير العام للمسرح الوطني وكان برفقته المدير الفني الرئيسي وأخبرني أنني موقوف عن العمل، وللعلم أنه وقبل أسبوع فقط أمضيت عقداً غير محدد المدة بعدما كنت أشتغل بعقد محدد، وبذلك يكون التوقيف عن العمل تعسفياً وبدون أدنى سبب.

والكارثة الكبرى حين سألت المدير العام للمسرح الوطني الجزائري لماذا تم توقيفي أخبرني أنه تلقى مكالمة هاتفية من أعلى مستوى تطلب منه أن يوقفني عن العمل، ليبقى هذا السبب شفوياً أما السبب الحقيقي هو طرد تعسفي بدون سبب حيث كنت ضحيته بين ليلة وضحاها. أما عن الشق المتعلق بالجهة العليا التي أصدرت الأمر بتوقيفي فهي مؤامرة خطيرة ضد شخصي، والأمر لا يتعلق هنا بقضية منصب حيث في الثمانينيات والتسعينيات كنت مربياً متخصصاً للشباب وتخليت عن المنصب من أجل المسرح لكن أن يضحي المسرح بي من أجل المنصب فهذا الأمر الذي لم أحسب له حساباً وأثر فيّ كثيراً.

 

أتهم أطرافاً في وزارة الثقافة والفنون باستبعادي المتعمد من المشهد المسرحي”

 

وللعلم هناك أطراف عديدة تحاول الترويج لوشاية كاذبة بأن لي مشاكل مع جهات عليا في البلاد، وقد نجحوا في ذلك والمعلومة وصلت إلى الكثير من مدراء المسارح والمسؤولين عن قطاع الثقافة والفنون الذين أصبحوا يعتقدون فعلاً أن محمد شرشال له مشاكل مع جهات عليا وهذا الذي يجعلهم يمتنعون عن التعامل معي ويتحاشون حتى التفكير في شخصي، وبهذه الطريقة قاموا باستبعادي من المسرح الجزائري.

وأنا أتهم أطرافاً من وزارة الثقافة والفنون، وإلا حد الآن لا أعلم لماذا تم إيقافي من منصبي في المسرح الوطني ولماذا تم استبعادي من المشهد المسرحي الجزائري. لقد راسلت كل الأطراف وكل الجهات المعنية بهذا الأمر منهم المدير العام للمسرح الوطني الجزائري، والمدراء الفرعيين لوزارة الثقافة والفنون، وراسلت أيضاً الوزير السابق السيد زهير بللو وأيضاً الوزيرة الحالية السيدة مليكة بن دودة لكن لا حياة لمن تنادي فلا أحد يرد ولا أحد يجيب، حتى أنه لم تتح لي فرصة السماع لموقفي وأنا أعيش هذا الألم والمعاناة منذ سنة تقريباً.

 

وماذا عن الشق القانوني لهذا الطرد التعسفي؟

قمت بكامل الإجراءات القانونية من اللجوء إلى مفتشية العمل ونتج عنها رفض المدير الصلح، وبعد ذلك لجأت إلى العدالة وبالتحديد محكمة باب الوادي ولقد أصدرت بعد عدة جلسات حكماً بالعودة إلى المنصب بالعمل مع الاحتفاظ بكل الحقوق لكن لم يتم قبول قرار المحكمة من قبل مدير المسرح، ويبقى الأمر مبهماً حيث لا أستطيع أن أتفهم سبب رفضه لحكم تطبيق العدالة الجزائرية واعتبر الأمر تطاولاً وتكبراً وتحدياً صارخاً للعدالة الجزائرية من طرف مسؤول مؤسسة وطنية مع الأسف. فعلاً أنا لا أستحق كل هذا الحقد.

 

 

نعلم أنك بدأت مشروعاً خاصاً “ما بقات هدرة” و”جي بي أس” إلى “ميتا شو” الحلم الذي أجهض حدثنا عن هذا المشروع؟

في الحقيقة الفكرة بدأت منذ سنة 2018 حيث اتخذت قراراً مهماً بالنسبة للخيار الجمالي الذي أشتغل عليه، الاستغناء عن الفعل اللفظي لأترك مكانه للفعل الفيزيائي، وحسب الخيارات الجمالية موجود في أوروبا وروسيا وفي بعض الدول الأخرى وهو المسرح الذي لا يعتمد على النص المنطوق بل يعتمد على الفعل الفيزيائي وعلى الإيماء والجسد لسرد القصة والحكاية، خاصة بعدما عاد المسرح الجزائري سجين الثرثرة والكلام وهذا رأيي الخاص ويخصني وحدي.

إن معظم الأعمال المسرحية الجزائرية تهتم بالقول فصار المسرح قولاً ونحن نعلم أن المسرح فعل، وهذا خيار جاء لرفع الحدود عن مسرحنا ليكون مسرحاً عالمياً، بدأت التجربة الأولى في عرض “ما بقات هدرة” وهو إعلان رسمي عن هذا الخيار الذي اخترته بعد أكثر من 40 سنة ممارسة مسرحية وتعاملي مع نصوص عالمية كثيرة. تلتها مسرحية “جي بي أس” التي توجت بالعديد من الجوائز منها جائزة السلطان القاسمي كأحسن عرض عربي، كما فاز بأحسن عرض عربي بمهرجان قرطاج وتلتها عدة جولات عربية، ليتوقف العمل بعدما أردت “ميتا شو” عرضا عالمياً.

 

  ميتا شو”… حلم سفير الدبلوماسية الثقافية الجزائرية ينتظر الركح “

ما هي حكاية ميتا شو؟

ميتا شو” الحلم الذي يراودني رغم ميزانيته المرتفعة، العرض قائم على فكرة بسيطة هو أن العالم الافتراضي أصبح مقبرة الواقع وهو عمل صامت يصبو إلى وضع الأصبع على معاناة الإنسان المعاصر أمام الوسائط التكنولوجيا، حيث أصبح هذا الإنسان عبداً للعوالم الافتراضية. أردت أن أعالج هذا الموضوع في قالب كوميدي محتفظاً على باقي تفاصيل العرض. قدمت هذا المشروع على طاولة مسرح تيزي وزو منذ ثلاث سنوات وقدم من صندوق الدعم ثلاثة ملايين دينار لإنجاز العمل وهو الأمر الذي كان مستحيلاً، لأنه لا يغطي حتى شراء جهاز عالي الجودة ثمنه ثلاث أضعاف الميزانية التي قدمت، ووجدت نفسي أسحب مشروعي.

هذا لا يمنع أنني دائماً كنت أريد إنجاز العمل وأحاول إيجاد حلول لمعضلة الميزانية فكانت لقاءات مع مدير المسرح الوطني الذي وعدني بأنه سيساعدني في الموضوع، وبالمناسبة قدمت لأحد المسؤولين الكبار بوزارة الثقافة والفنون كتيباً صغيراً سميته “ميتا شو سفير الدبلوماسية الثقافية” حيث اقترحت إشراك العديد من المسارح الجهوية وبمشاركة العديد من المؤسسات الثقافية والفنية في الجزائر كالديوان الوطني لحقوق المؤلف وحقوق المجاورة، وكالة الإشعاع الثقافي وحتى الخطوط الجوية الجزائرية ووزارة الخارجية، إضافة إلى فتح الباب للشركات الخاصة من أجل الترويج والمشاركة في أكبر المهرجانات العالمية وهذا ما أكدته في هذا الكتيب الذي قدمته لهذا المسؤول وطلبت منه أن يقدمه للوزير السابق لعله يهتم بالموضوع وأتحدث هنا عن خدمة وطني والترويج للمسرح الجزائري. ومن بين الأهداف التي قدمتها في هذا الكتيب تقديم جولة وطنية والمشاركة في المهرجانات العالمية وانتزاع الجوائز من هذه المهرجانات، كما اقترحت تنظيم جولة أوروبية ومستعدون أن يكون للعرض مداخيل بالعملة الصعبة.

كما اقترحت أن تكون جولات في العواصم الأفريقية، لكن في غضون 24 ساعة بعدما قدمت المشروع تم إيقافي من طرف المدير العام للمسرح الوطني وأتعجب من هذه الصدفة الغريبة. إن المشروع لا يزال قائماً ومستعد أن أقترحه من جديد على الوزارة إن كانت فيه نية الاستماع إلى شخصي والاطلاع على هذا المشروع المهم، والذي أردت منه أن يكون صوت الجزائر في الداخل والخارج وأردته أن يكون سفير الدبلوماسية الناعمة لتشريف المسرح الجزائري في الخارج.

 

هل فكرت في الهجرة أو تقديم ميتا شو خارج الجزائر؟

نظراً لانسداد الآفاق في بلدي ونظراً لاستحالة إنتاج هذا العمل لحد الآن في الجزائر أكيد سأتطلع إلى إنتاجه خارج الجزائر، ولقد قمت باتصالات عديدة من عدة هيئات عربية وعالمية، وبكل صراحة إذ جاءت فرصة إنجاز العمل خارج الجزائر فأنا لا أتوانى عن ذلك. أما عن الهجرة أنا لا أفكر في الهجرة من الجزائر بل أفكر فقط في إمكانية إنجاز عملي، خاصة والأسلوب المسرحي الذي انتهجته واخترته لا يشكل عائقاً أمام إنجازه خارج الجزائر. ولكنني أفضل أن يكون العمل في الجزائر وأن تكتمل تجربتي هنا في بلدي.

 

لو نعود إلى مسرحية بيت النار ماذا حدث في كواليس هذا العرض؟

لابد أن أشير أن هذا العرض ألفته وأخرجته لجمعية محفوظ طواهري التي أسستها سنة 1990، والعرض قدم سنة 1993 ونحن نعرف هذا التاريخ ماذا كان بالنسبة للجزائر وبالنسبة لولاية عين الدفلى التي كنت أنشط في أحد مدنها مليانة، “بيت النار” كان أول عمل مسرحي يندد ويستنكر عنف الإرهاب، ودفعت فاتورته بترك كل مشاريعي بمدينة مليانة والدخول إلى الجزائر العاصمة بعدما وصلتني رسالة تهديد من قبل أطراف مجهولة تهددني بالموت. بقيت في الجزائر ولم أغادر وطني في الوقت الذي هاجر الكثير وبعد عودتهم أصبحوا هم الفاعلين في الميدان المسرحي، أنا اخترت الاتجاه إلى الجزائر العاصمة حيث اشتغلت مع جمعية اليزيد وأنجزت حينها مع صديقي حكيم دكار مسرحية “ميلوديا”.

 

كيف جاءت فكرة اقتباس الخرتيت ليونيسكو إلى “الهايشة”؟

هذا العمل قدمته كمشروع للمسرح الوطني الجزائري في سنة 2015، وكنت من بين القارئين كثيراً ليونيسكو حيث قرأت مجمل أعماله والمسرحية كما قرأت كتاب مذكرات ومذكرات مضادة ويعتبر يونيسكو بالنسبة لي من الكتاب الذين تأثرت بهم بشكل كبير جداً حتى أنني عشقت رؤيته الخاصة لمسرح العبث لأن عبث يونيسكو هو عبث كوميدي. إن عوالم يونيسكو تمتاز بالغرابة والخيال المطلق وكما يقول في كتابه مذكرات ومذكرات مضادة أنه دائم البحث عن الشيء الذي كان ينقص المسرح وهو الخيال، حيث كان يشاهد عروضاً مسرحية لكنها كانت بلا خيال، لهذا اختار يونيسكو الاشتغال على شخوص غريبة وأراد بها أن يشير إلى تصاعد الفكر النازي في زمنه.

علماً أنه كان مناهضاً لهذا الفكر وهرب من رومانيا إلى فرنسا ونعرف قصة يونيسكو الذي كان ضد هذا الفكر في فترته حين كان في رومانيا، ولما تناولت “الخرتيت” نقلتها من بيئتها إلى البيئة الجزائرية واشتغلت على تصاعد العنف اللفظي والعنف في المعاملات، وفي الجزائر الإنسان غير المتزن نطلق عليه لقب “الهايشة” وهو ليس بحيوان وليس بوحش وإنما سلوك، لهذا اقتبست العمل إلى مسرحية “الهايشة” وأنجزته وأخرجته مع المسرح الوطني الجزائري.

 

 

أنت معروف بمسرح الصورة والاعتماد على الفعل الفيزيائي بدلاً عن الفعل اللفظي ما أسباب تمسكك بهذا الأسلوب؟

الاعتماد على مسرح الصورة والفعل الفيزيائي بدلاً من الفعل اللفظي والتمسك بهذا الأسلوب للأسباب كثيرة جداً، أولاً لقد وجدت ضالتي بعدما جربت كل الأشكال وكل الأساليب والمدارس من المسرح الواقعي إلى العبث وصولاً إلى ما أنا عليه في إنتاج هذا النوع من المسرح، له تسميات كثيرة منها المسرح الصامت وهو ليس بالصامت ومسرح الجسد وهو ليس تحديداً ما أعنيه أو مسرح الإيماء وهو ليس إيماء والآن قمت بتوظيف مصطلح آخر “مسرح الصورة”، إن تحدثنا عن الصورة واختياري للصورة أظن أن الإنسان المعاصر ليس كما يقول المثل “الأذن تعشق قبل العين أحياناً” بل العكس، إنني أرى أن العين هي التي تعشق، وهي التي ترتبط بقضية الإحساس والعشق إذاً فالعين أو الصورة البصرية مهمة جداً للمتلقي.

إن التشكيل البصري مهم جداً للعرض المسرحي، نرسم على الخشبة بالأجساد والألوان والأحجام ونرسم بالظلال والإضاءة، إذاً فالصورة مهمة جداً، فضلاً عن أني وجدت المتعة والصعوبة معاً في هذا النوع المسرحي الذي اخترته عن قناعة، فاليوم عاد الكثير يختبئ وراء الكلمة ويقول إنني أمارس المسرح لكنهم يمارسون “الهدرة” لأن المسرح فعل وليس قول. لكن هذا لا يعني إنني ضد النصوص المسرحية وضد اللغة وضد الحوارات في المسرح هذا ليس موقفاً عدائياً بل هو اختيار جمالي يخصني ولا أرغم أحداً به، خلاصة القول الصورة مهمة جداً بالنسبة للمسرح الذي اخترته ولكن لا يجب أن تكون صورة فولكلورية “اضحك ابتسم فنحن نصور” بل يجب أن تكون الصورة تحمل جمالية وفكرة.

 

ما هي التحديات التي يواجها شرشال في الوقت الراهن؟

إن التحدي الأكبر الذي أواجه في الوقت الراهن وضع وضعني فيه السيد المدير العام للمسرح الوطني الجزائري ومن يقف خلفه، مع الأسف أنا متهم باتهام خطير سببه وشاية كاذبة تهدف إلى إبعادي من المشهد المسرحي الجزائري، والتحدي الأكبر بالنسبة لي هو معرفة الحقيقة لأنه لحد الآن لا أعلم سبب هذا التصرف وسبب هذا الإجراء وسبب هذه الوشاية التي تم تمريرها عبر الكواليس ونشرها في الأوساط المسرحية. إن التحدي الأكبر لي هو معرفة الحقيقة وإثبات براءتي مما يراد إلصاقه بي والعودة إلى الإبداع وتشريف الجزائر، الجزائر التي لا تستحق أن يحارب فيها النجاح ويستبعد.

 

المسرح الجزائري يمر بأسوأ أزمات تاريخه”

وكيف ترى تطور المسرح في الجزائر؟

لا يمكن الحديث عن تطور المسرح الجزائري في ظل ما يحدث له حالياً، نحن الآن أمام أعنف وأشد أزمة يعيشها المسرح الجزائري منذ وجوده ولقد تحدثنا عن هذا المشكل وبأن المسرح الجزائري مريض منذ زمن طويل لكن لا أحد سمعنا إلى أن جاءت الوزيرة المحترمة مليكة بن دودة وصرحت بأن المسرح مريض ونحن نرى أن هذا التصريح اعتراف بعجز الوزارة عن إنجاز سياسة ثقافية تحمي المسرح وتنهض بالمسرح كونها تعتمد على نفس الأدوات التي أدت إلى انهيار المنظومة المسرحية الجزائرية، فلا يمكن أن نتحصل على نتائج أخرى باستعمال نفس الأدوات ونفس الأشخاص هذه قاعدة وجودية.

 

ما هو السبب الفعلي الذي جعل المسرح الجزائري مريضاً اليوم؟

المسرح الجزائري يعيش أسوء أزماته، حيث لا يوجد احتراف في الجزائر بل هناك ما يسمى بغزو الهواة للمؤسسات المسرحية المحترفة مما أدى إلى انهيار العروض المسرحية، وأدى إلى بروز ما يشبه المخرجين وما يشبه الممثلين وما يشبه الكتاب وما يشبه المسرحيات، وأصبح مسرحنا مرادفاً لكلمة رداءة مع وجود بعض الاستثناءات وهي قليلة جداً. أنا هنا لا أستصغر مسرح الهواة، فشخصياً كنت هاوياً في المسرح في فترة السبعينيات والتسعينيات ولكن لما أردت الانتقال من الهواة إلى الاحتراف دفعت فاتورة ذلك فكان ملزماً أن أقدم استقالتي وأستقي المزيد من العلم، ولكن ما يحدث الآن هو انتقال من الهواية إلى الاحتراف دون دفع الضريبة ودون تكوين، عن طريق المحاباة والصحبة والشخصية كل هذا في ظل غياب قانون يحمي المؤسسة المسرحية.

 

وكيف تجد التكوين المسرحي في الجزائر؟

إن التكوين المسرحي في الجزائر تكوين أعرج وضعيف جداً وخاصة حين تم إدراج المعهد العالي لمهن الفنون العرض إلى الجامعة واتبع نظام “أل أم دي”، هنا تم السطو على خصوصية هذا المعهد الذي أخرج مسرحيين كبار، غابت عنه تخصصات أخرى، ووجب أن يكون المدرسة العليا لفنون العرض، مثله مثل المدرسة العليا للفنون الجميلة، ويدعم بأساتذة من الخارج وبمناهج وبرامج تكوين حديثة لأجل النهوض بالمسرح، لأن التكوين المسرحي أصبح يقدم شهادات عليا لا غير يمكن أن تكون هذه الأخيرة نقمة على المسرح حيث الطالب يصبح مسؤولاً ولا يملك رؤية حقيقية للنهوض بالمسرح الجزائري وهنا يجب أن يكون الاستثمار.

 

بعد مشاركتك في مهرجانات دولية وعربية ما الذي يميز المسرح الجزائري عن غيره؟

لا شيء هناك تجارب قليلة نجحت في انتزاع الجوائز في المهرجانات المهمة، وأركز على كلمة مهمة، حيث يمكن المشاركة في المهرجانات البسيطة خارج الجزائر لا أهمية لها فهي تشبه المهرجانات الصغيرة التي لدينا في الجزائر، ولكن أنا أتحدث عن المهرجانات الوازنة كالمسرح التجريبي بمصر ومسرح قرطاج بتونس والمسرح العربي من تنظيم الهيئة العربية للمسرح، ما يميز عرض “جي بي أس” عن الأعمال العربية الأخرى لأنها انتهجت أسلوباً مغايراً لما يقوم عليه المسرح العربي فكانت متفردة وانتزعت جائزة أحسن عرض عربي متكامل وأحسن إخراج كما رشحت في قرطاج لكل الجوائز وبرزت كأهم حدث عربي.

 

نعم لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟

لقد حربت وتم توقيف عرض المسرحية بسبب أن القائمين على المسرح الوطني الجزائري تركوا كل الملابس في بغداد إثر مشاركتنا في مهرجان العراق الدولي. ربما السؤال الذي يجب أن يطرح ليس ما يميز المسرح الجزائري عن المسارح العربية وإنما هل كل مبدع وفنان في الجزائر تركوا له فرصة ليتميز؟ منهم محمد شرشال وغيره في الجزائر يمكنهم التميز في مهرجانات عالمية وعربية، لكن لابد أن تهيئ الظروف لذلك وليس أن يحارب الناجح وأن يستبعد بالطريقة المافياوية التي تحبط المبدع وتدفعه إلى تفكير سوداوي.

مشكلتنا ليست مع المسارح الأخرى يمكننا التميز ويمكننا أن نقدم مسرحاً ينافس الجميع فللجزائر كفاءات وقدرات لكن السياسة الثقافية والسياسة المسرحية في الجزائر لا تخدم هذا الأمر، فهي غير ملائمة وما نراه في المنظومة المسرحية الجزائرية فساد ما بعده فساد، فعلاً مسرحنا مريض ولا يمكن أن نقول متميزاً عن المسرح العربي ولكن ما يميزه بكونه ينتج ويشتغل في ظروف قاسية لا تساعد أحداً على التميز.

 

رهن إشارة الوطن دوماً… لكن لن أسامح الظالمين أبداً”

ختاماً ماذا يقول شرشال للمسرح ولأهل المسرح؟

خطابي الآن ليس موجهاً للمسرح ولأهل المسرح وإنما خطابي الآن لغير هؤلاء ومن خلال هذا التصريح الذي سأدلي به سيفهم من المقصود بخطابي، محمد شرشال جزائري وأفتخر وأنا لست ضد بلدي بل مع الجزائر في السلم والحرب وروحي فداء لهذا الوطن دون تردد، فلا يمكن لأي كان أن يجردني من هذه الروح ومن هذا الحب ومن هذا الولاء لبلد المليون ونصف مليون شهيد، وإنما أنا ضد المسؤولين عن المسرح وعن الثقافة الذين يحاربونني ويحاربون غيري، أنا ضد من أبعدني ظلماً وبهتاناً وحرموني من خبزة أولادي، حرموني من أعز مكان لدي، هؤلاء خصومي يوم القيامة خصوم عند الله لن أسامحهم أبداً ابتداءً ممن أمضى على قرار توقيفي إلى هؤلاء الذين يقفون وراء الستار والذين ناوروا ودبروا لهذه المكيدة التي ستنقلب عليهم، أنا ابن الجزائر وابن المسرح الجزائري وقدمت للمسرح الجزائري أغلى ما أملك فشرفت المسرح الجزائري في المحافل العربية والدولية والوطنية، وعليه أنا رهن إشارة وطني من أجل خدمته ما دمت أتنفس ولكن لن أسامح من ظلمني.

حوار: صارة بوعياد

الإشتراك
نبّهني عن
guest
2 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتًا
Inline Feedbacks
View all comments
د. حبيب بوخليفة
د. حبيب بوخليفة
يناير 29, 2026 4:33 مساءً

هناك منظومة ثقافية متكلّسة، تتغذّى على الريع كما تتغذّى الطفيليات على الجسد المنهك. منظومة لا علاقة لها بالثقافة إلا بقدر ما تمنحها من امتيازات ومنافع، وقد تحوّلت عبر السنوات إلى شبكة مصالح مغلقة، تُقصي الكفاءة وتُحارب كل صوت مستقل، وتفتح الأبواب أمام عناصر دخيلة لا مشروع لها سوى البقاء أطول وقت ممكن في دائرة الامتياز.
هذه البنية البيروقراطية لا تدافع عن الفن، بل عن مواقعها. أهدافها ليست الإبداع ولا خدمة المسرح، بل حماية الامتيازات وتدوير الولاءات. لذلك يصبح النجاح خطرًا، ويُعامل المبدع كتهديد ينبغي تطويقه أو تشويهه أو إبعاده بوسائل ملتوية. في ظاهرها قانون، وفي باطنها تعليمات غامضة، وإشاعات مسمومة، وقرارات تُطبخ في الظل ثم تُقدَّم على أنها “إجراءات تنظيمية”.
الأخطر حين يُستدعى اسم “الجهات الأمنية” لتبرير قرار إداري تعسفي، وكأن الأمن شماعة تُعلَّق عليها كل مظلمة. فالدولة، حين تتحرك مؤسساتها الأمنية في أي ملف، تفعل ذلك عبر قنوات واضحة وإجراءات قانونية معلومة، لا عبر همسات في ممرات المسارح ولا عبر مكالمات هاتفية مجهولة المصدر. تحويل الإشاعة إلى أداة إقصاء هو انحدار أخلاقي قبل أن يكون تجاوزًا إداريًا.
ترويج أخبار عن “أوامر فوقية” أو “تدخلات عليا” دون سند قانوني ليس فقط إساءة إلى الأشخاص المستهدفين، بل مساس بهيبة مؤسسات الدولة نفسها. حين تُستخدم أسماء الرئاسة أو الأجهزة الرسمية في صراعات داخلية، فإننا أمام خلل خطير في أخلاقيات التسيير وفي مفهوم المسؤولية.
المسألة لا تتعلق بشخص واحد، بل بمبدأ: هل تبقى المؤسسات الثقافية فضاءً للإبداع والشفافية، أم تتحول إلى إقطاعيات بيروقراطية تُدار بمنطق الولاء والإقصاء؟ إن حماية سمعة الأفراد، وصون مصداقية الدولة، ووقف سلاح الوشاية والإشاعة، مسؤولية قانونية وأخلاقية في آن واحد.
الثقافة لا تزدهر في مناخ الخوف، ولا في ظل إدارة تعتبر الفنان خصمًا. إما أن تكون المؤسسات فضاءات للحق والكفاءة، أو ستظل تدور في حلقة مفرغة من التكلّس والرداءة، مهما تغيّرت الوجوه والعناوين..

Last edited 2 شهور by صارة بوعياد
نبيل رحماني
نبيل رحماني
يناير 29, 2026 5:28 مساءً

حڨروه المتمليقين والنكرة

مقالات ذات صلة

2
0
يرجى التعليق.x
()
x