![]()
شهد مسرح الصحراء بولاية أدرار عرضًا مسرحيًا لمسرحية “ما قبل المسرح” من الجزائر، من تقديم جمعية كارتينا بمستغانم. في أجواء مليئة بالإبداع والتأمل، المسرحية كتبها المسرحي الجزائري الراحل ولد عبد الرحمن كاكي، هي عمل تجريبي يركز على تكوين الممثل وتحضيره نفسيًا وفكريًا.
أخرج العرض سعيد زكرياء، واشتغل على تقديم رؤية معاصرة تجمع بين التراث والحداثة. بمشاركة نخبة من الممثلين مثل بوقصارة عز الدين، مجاهد أحلام، طاهري عبد الحق، لبقع نور الهدى، وقد أدى هؤلاء أدوارًا تعكس عمق الصراعات الإنسانية، مما جعل العرض يتجاوز حدود المسرح التقليدي. يتكون النص الأساسي من ثلاثة مشاهد رئيسية، يدور كل منها حول صراعات مختلفة تجسد الوجود البشري.
يروي المشهد الأول، قصة فنانين يغوصون في فلسفة الحياة والحقيقة، محاصرين بين النجاح واليأس، مما يثير صراعًا فكريًا وثقافيًا ودينيًا في بحث عن المعنى الحقيقي. أما المشهد الثاني، فيحكي رحلة صياد مع شبكته، يصارع اليوميات والحياة القاسية، في رمزية للكفاح اليومي. وفي المشهد الثالث، يجتمع مجموعة من الأشخاص في مكان نائي، يناقشون الصراع والوجود. أضاف مخرج العرض مشهدًا جديدًا يرمز إلى التعذيب الرمزي للثورات العربية، مع التركيز على قضية فلسطين كمثال حي. يصور هذا المشهد مجموعة من الشخصيات المقيدة رمزيًا بسلاسل الصمت والقمع، يعانون من “تعذيب” نفسي وجسدي يعكس معاناة الشعوب تحت الاحتلال والديكتاتوريات. ويستخدم المشهد عناصر بصرية قوية مثل الظلال والأصوات المكبوتة، ليربط بين الثورات العربية التاريخية والمعاصرة، محفزًا الجمهور على التأمل في قضايا الحرية والمقاومة.

و جاءت هذه الإضافات لتعزيز الرسالة الجوهرية للمسرحية، مما أضفى عليها بعدا سياسيًا معاصرًا يتناسب مع سياق المهرجان. ليتشكل العرض في قالب مسرح القسوة ومسرح الميم، حيث يسيطر الصمت على معظم المشاهد، ليصبح أداة تعبيرية قوية. ينكسر هذا الصمت في المشهد الأخير، الذي يكسر الجدار الرابع بين المسرح والجمهور، من خلال الجملة الشهيرة “أهدرو وأعلاش راكم ساكتين”، التي تحمل دلالات عميقة عن قول الحق مهما كلف الأمر، حتى لو كان الثمن غاليا. هذه اللحظة غير المتوقعة تعيد إحياء روح النص الأصلي لكاكي، وتطرح سؤالًا جوهريًا عن دور الفن في مواجهة الظلم.
وقد أضافت الموسيقى لمسة جمالية خاصة، مع إدخال أوركسترا على الركح، مما خلق إيقاعًا صوتيًا يجذب المتلقي. أمتع العرض الجمهور الذي صفق بحرارة، خاصة بعد فوزه في المهرجان المحلي لسيدي بلعباس سابقًا، مما يؤكد قدرة الفرق الشابة على المنافسة مع الكبار. وكما يقول المثل الشعبي: “قد نجد في النهر ما لا نجده في البحر”، فقد أثبتت فرقة الشباب هذه إبداعها في “ما قبل المسرح”، عبر ارسالها تحية لروح كاكي ركح مسرح الصحراء.أدرار: صارة بوعياد