![]()
منذ وصولي إلى البهجة، وأنا أطوِّفُ وحيدا، لا أكلِّم أحدا إلاّ لحاجة ماسة. فكّرت في شراء ساعة يد، وفي اقتناء ولّاعة، لأن الكلّ هنا يسأل عن الوقت، ولا يريدون غير إشعال سيجارة على عجل..
أمّا فكرة شراء مطرية تقيني المطر، فإنّني لم أفكِّر بها تماما ، ربما لأن المطر ليس مشكلة لصحراوي مثلي ، فلَهُ معه شأن آخر ، وربّما كنت أريد أن أثير شفقة العابرات كي يقاسمنني مطرياتهن الجميلة ، فليس هناك أروع من منظر عاشقين يتقاسمان مطرية واحدة ، ويسيران متلاصقين جنبا إلى جنب ، وذراعا بذراع . وفي الكثير من الأحيان كنت أودُّ لو تسعفني الشجاعة لأهمس في أذن حسناء تمرق قدَّامي :
– هل أستطيع أن أقاسمك المطرية..؟
أمس ألجأني المطر الغزير إلى النفق الجامعي ، وهناك رأيت عازف (المُنْدولين ) الأعمى ، ذو السحنة الزرقاء ،والنظّارات السوداء ، وهو يغنّي بشجن مبحوح ، دون أن يعيره المارة انتباها، أصغيت إليه بكل جوارحي ، لقد ذكّرني بمغني (البلوز) السود ، وعندما هممت بالمغادرة انحنيت كي أضع قطعة نقدية على منديله المفروش على الأرض ، وأنا أهجس هل هو متسوِّل يستحقُّ صدقة ، أم أنه ينتزع حقَّه بدم القلب ، وأصابع الألم ، ولا مزيّة لأحد إن أعطاه شيئا.؟. تساءلت بيني وبين نفسي عن المسافة بينه وبين الإسكافي المجاور له، يرتِّق الأحذية، يسحب من فمه نفساً من سيجارته مرّة، وتارة مسمارا، يدقّه بنشاز إيقاعي. بعد أن يتفل على النّعل . ولا تنقطع حركة الزبائن حوله، ولا يكفّ هو عن التأفف باستياء منهم، ومن حياتهم..
طوّح بي مشهد عازف المندولين. في سِنِيِّ طفولتي ، حين حاولت أن أتعلّم العزف على القصبة ، بمساعدة الراعي ، وأن أترجم للّوعة بالناي ، وأقول بالأصابع والنفثات ما لا يقال بيباس الكلام ، أن أسلم دفء تنهيداتي وعنفوان صبوتي إلى سحر هذه القصبة المثقوبة بالنار ستة ثقوب ..