يناير 2972 .. الاحتفال بالذاكرة والهوية

الأكثر قراءة

Loading

يعود بداية التأريخ الأمازيغي في الجزائر إلى 950 عام قبل ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام، ويبدأ رأس السنة الأمازيغية في 13 يناير بدل الفاتح منه، بينما يتم الاحتفال ليلة رأس السنة في الثاني عشر منه، ومن تقاليد وثقافة أمازيغ الجزائر، الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في العديد من ولايات الوطن وبالأخص سكان منطقة القبائل، ونكون قد وصلنا في التقويم الأمازيغي إلى سنة 2972، التي تميزت هذه السنة بالطابع الرسمية كعطلة مدفوعة الأجر كما أشارنا سابقا، من أسماء الأشهر بالأمازيغية التي مازال آبائنا وأمهاتنا يحفظها لكونها تعتبر لغة شفاهية بالدرجة الأولى “يناير، فورار، مغريس، برير، ميو، جونيو، يوليو، غشت، شتمبر، كتوبر، نونبر، دجمبر”.

وقد تميز الاحتفال برأس السنة الامازيغية 2968، بنكهة خاصة حيث طبعت عليها الرسمية، بعد إعلان الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة أن رأس السنة الامازيغية، الموافق لثاني عشر من شهر يناير من كل عام، إجازة رسمية في البلاد لأول مرة، ويكون بذلك عطلة مدفوعة الأجر، وهو المطلب الذي ناضل لأجله الكثير من أمازيغ الجزائر، لكونه احتفال خاص بالذاكرة والهوية والثقافة الأمازيغية.

ويعد الثاني عشر من شهر يناير إرثا تاريخيا في ذاكرة الأمازيغ، الذي يتوزعون في الجزائر، في كل من المناطق القبائلية، والشاوية، كما تضم الطوارق في الصحراء، الميزابين بوادي ميزاب في غرداية، إضافة إلى سكان جبل شنوة أو ما يعرف بالشلوح الساكنين غرب العاصمة، حيث نجد من الطقوس الخاصة والمميزة، تجمع سكان البلدات والقرى في ولائم كبيرة حول مائدة طعام يكون طبق الكسكسي المحضر بالدجاج سيد المائدة، وهو التقليد الذي دأب عليه الأمازيغ في مختلف أنحاء الجزائر.

كما نجد أن بعض الأمازيغ يردد أغاني وشعارات من التراث تعبيرا عن الأمل في موسم زراعي مزدهر، حيث يدمج البعض مقاطع غنائية تشيد بانتصار ملك الأمازيغ على الفراعنة حسب ما ترويه الروايات، حيث يعود سبب الاحتفال إلى انتصار الملك البربري ”شاشناق”على الفراعنة عام 950 قبل الميلاد، وذلك ردا على تحالفهم مع الرومان لاستهداف الأمازيغ وبذلك يعتبر الاحتفال مظهرا من مظاهر الثقافة الأمازيغية التي تعود لآلاف السنين.

التقويم الأمازيغي… دلالات ورموز الاحتفال

بالنسبة للأمازيغ تقليد مرتبط بالطبيعة وبالموسم الفلاحي، حيث تشير الطقوس إلى مدى ارتباط الإنسان الأمازيغي القديم بأرضه ومدى اندماجه في الطبيعة، من خلال ممارسة بعض الطقوس التي تستلزم إبعاد شبح الجوع والتماس أسباب الخير والسعادة التي لا تكون بالنسبة للإنسان الأمازيغي إلا بوفرة المحاصيل، فبداية العام تشكل نهاية وخاتمة للمؤونة الماضية أو العولة كما تعرف وبداية التحضير للمحصول القادم.

ولكن ظل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية احتفالا فلاحيا موسميا وحدثا تقليديا مرتبط أساسا بالأرض، ولم يرتقي إلى مرحلة التأريخ بشكل رسمي إلا في سنة 950 ق.م عند انتصار القائد الأمازيغي في معركة حاسمة ضد قائد الفراعنة رمسيس الثاني، إذ كان الفراعنة قبل هذا التاريخ ينظمون هجمات متكررة على بلاد الأمازيغ للاستيلاء على أرضهم وخيراتهم ونهب ثرواتهم، وهي تعد أول حرب في تاريخ الانسانية يخوضها شعب لتحرير أرضه وحدثا تاريخيا هاما في التاريخ الأمازيغي القديم ثم صعوده إلى عرش الحكم الفرعوني وتأسيسه للأسرة الفرعونية الثانية والعشرين فكان ذلك التاريخ بداية الحساب أو التأريخ للتقويم الأمازيغي الذي يبلغ الآن 2972 سنة وتوثق النقوش التاريخية المحفورة على أعمدة معبد “الكرنك” في مدينة الأقصر بمصر لهذا النصر العسكري.

طقوس وتقاليد تختلف من منطقة لأخرى

تختلف الطقوس من منطقة إلى أخرى في الاحتفال بالمناسبة، حيث يحتفل ”الطوارق” أمازيغ الجنوب بإعداد سبعة أطباق من أصناف المأكولات احتفالا بالمناسبة التي تعد بالنسبة لهم بداية لعام جديد وكلهم أمل في تحسين الأوضاع وفتح أبواب الرزق، ونفس الاعتقاد يسود منطقة القبائل الكبرى بمدينة تيزي وزو، حيث يعتبر يناير عام الأمازيغ يأمل منه الجميع أن يعود عليهم باليمن والبركات والعيش السعيد.

ومن بين عادات يناير إطعام الحشرات حتى لا تأكل الزرع، والامتناع عن الحياكة، مع ضرورة الأكل حتى الشبع ليضمن الإنسان أن يشبع باقي السنة، كما تقوم بعض الأمهات في هذه المناسبة بإعداد وجبات خاصة للعائلة تتضمن اللحم والمكسرات التي توزع في أكياس على الأطفال.

كما يتم فيه غرس أشجار الزيتون ويكون رأس السنة الأمازيغية مناسبة لتبادل الزيارات العائلية وإنهاء الخصومات وإقامة الصلح، ومناسبة كذلك للتضامن الاجتماعي عبر تجميع الصدقات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.

احتفالات يناير وأسطورة ”العجوزة”

ومن بين الأساطير الأخرى التي ارتبطت بالاحتفال بـ “يناير”، حيث تقول الأسطورة أن شهر ”يناير” قد طلب من شهر فبراير التخلي له عن أحد أيّامه بعد أن تحدّته إحدى العجائز بالخروج مع عنزاتها الصغيرات لطهو طعامها خارج البيت، في عزّ برده وصقيعه، فما كان منه إلا أن قال لعمه فبراير ”يا عم فبراير أعرني ليلة ونهارا، كي أقتل العجوز المتفوهة بالعار والتي أرادت أن تتحداني.”

وكان له ذلك بتخلي فبراير عن يومين من عمره لصالح يناير الذي جمّد العجوز وعنزاتها، وإلى الآن يقول أجدادنا أنه توجد بمنطقة جرجرة صخرة تدعى ”صخرة العجوز والعنزات” حيث بالنظر إلى تلك الصخرة الضخمة يمكن ملاحظة عجوزا تحلب معزاتها، وبقربها بعض صغار الماعز، إلا أن هذا حسب المختصين الجيولوجيين ”صدفة جيولوجية” لا غير مترتبة عن الطبيعة.

التراز” نكهة خاصة للاحتفال بيناير

يتم الاحتفال بهذه المناسبة في أجواء مميزة بطقوس تصنع للاحتفال طابعا خاصا، يشكل مصدرا للاعتزاز بالهوية، حيث تتم العملية بوضع طفلا صغيرا داخل إناء كبير ثم نسكب “التراز” على رأسه، المكون من حلويات بكل أنواعها، حتى تكون السنة الامازيغية فأل خير على الطفل وعلى أفراد العائلة، لتكون سنتهم صافية كحياة الطفل.

صفوان سعيد

الإشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتًا
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات ذات صلة

0
يرجى التعليق.x
()
x