![]()
قال سليم دادة مؤلف موسيقي، وكاتب دولة مكلف بالإنتاج الثقافي سابقا إن الموسيقى السيمفونية في الجزائر في وضع سيء ولا يدعو للفخر. فالمشاكل التي تخص هذا النمط من التعبير الثقافي وهذه الممارسة الفنية الراقية لا تنحصر في قضية الإنتاج والعرض التجاري فقط بل تتجاوز ذلك إلى إشكالية التكوين الموسيقي حسب قائد أوركسترا شباب الجزائر.
حوار: صارة بوعياد

التكوين نقطة أساسية في أي مجال تعليمي كيف تجده في الموسيقى؟
منذ افتتاح المعهد الوطني العالي للموسيقى سنة 1995، لم يتمكن هذا الأخير خلال 25 سنة من فتح لا قسم قيادة أوركسترا ولا تأليف موسيقي ولا بحث موسيقي ولا حتى قسم عالي للعازفين المهرة. بل أنه لم يتم حتى فتح طور ما بعد التدرج (ماجستير أو ماستر) إذ تبقى الشهادة الوحيدة التي يقدمها المعهد “الليسانس” وهي التي تتيح في أحسن الحالات للحاصلين عليها والأكثر حظا بالالتحاق بالمؤسسات التعليمية في المتوسط والثانوي بصيغة التعاقد. على أساس أن هذا المعهد يخرّج الموسيقيين المحترفين الذين من المفروض توجيههم نحو الحياة العملية الموسيقية لا إلى التعليم العام. إلى جانب مشكل التوجيه ومواصلة التدرج وقلة التخصصات، فإن مستوى التعليم عامة وطرق التدريس والمناهج المتبعة لا ترقى إلى المستوى الأكاديمي والصفة الجامعية التي يجب أن يتحلى بها المعهد الوطني العالي.
وماذا عن المعاهد الجهوية للتكوين الموسيقي؟
على مستوى المعاهد الجهوية للتكوين الموسيقي وعددها 13 التابعة لوزارة الثقافة والفنون، فالمشاكل أعمق وأهمها قضية الاعتراف بالشهادة من قبل وزارتي التربية والتعليم العالي والذي يجعل للطالب أفقا مسدودا بعد ستة سنوات من الدراسة المتخصصة والذي لا يمكنه اليوم حتى ولوج أعتاب المعهد العالي مهما ارتقى مستواه الموسيقي وتحصيله الدراسي.
كل هذا يخلق اليوم حالة من العزوف لدى الطلبة الشباب والتخوف لمن يرغبون اليوم في التخصص الموسيقي، بل إن الكثير من الموسيقيين الشباب الموهوبين، يفضلون اليوم مواصلة دراستهم الجامعية في تخصصات أخرى مع استكمال دراساتهم الموسيقية بصفة هاوية في المعاهد البلدية أو المدارس الخاصة أو حتى بطريقة عصامية. وهذا بالتأكيد لا يخدم التخصص الموسيقي ويؤثر سلبا على مستوى الموسيقى السيمفونية في بلادنا، فالتكوين هو أول لبنة في سور هذا الصرح الفني العالمي.
وإن تحدثنا عن واقع الأوركسترا السيمفونية في الجزائر ماذا تقول؟
على مستوى التأهيل والاحتراف، فالمشكل أعمق إذ لا توجد مؤسسة عمومية وحيدة تتمتع بصفة أوركسترا سيمفونية في الجزائر. إذ بعد حل الأوركسترا السيمفونية الوطنية سنة 2016 بدعوى ترشيد النفقات والحاقها تحت غطاء أوبرا الجزائر، فقدت هذه الأوركسترا (مؤسسة منذ 1991) صفتها القانونية واستقلاليتها المالية وصارت تحت رأفة أوبرا الجزائر حيث تتصل بالموسيقيين كمقدمي خدمات خارجيين دون أن يلزم ذلك مؤسسة أوبرا الجزائر ببرمجتهم بصفة دورية أو بإلحاقهم مهنيا أو اجتماعيا بصفة دائمة. صدور الهيكل التنظيمي للأوبرا في خريف 2019 أقن هذا الأمر حيث تم إلغاء الأوركسترا من إدارة الأوبرا واكتفى فقط بقسم خاص بالموسيقى السيمفونية والذي لم تتضح معالمه إلى الآن.
وماذا يترتب على وزارة الثقافة والفنون لوضع حد لهذا المشكل في رأيك؟
يتوجب على الدولة الجزائرية وعلى وزارة الثقافة والفنون تأسيس أوركسترا سيمفونية وطنية وخلق فروع جهوية لها وتحفيز خلق أوركسترات أخرى بصفة مدنية أو خاصة لتغطية الفراغ الفني الذي تعاني منه الجزائر، فيما يخص الموسيقى السيمفونية ولتلبية حاجة المجتمع والمستمع الجزائري الذواق لهذا النوع الفني ولإثراء مختلف البرامج الثقافية والفنية المختلفة كالمسرح والباليه والسينما وانتاجات التلفزيون والإذاعة. هناك دول عربية وافريقية لا تملك رصيد الجزائري التاريخي والفني والتكويني في مجال الموسيقى السيمفونية، ومع ذلك فقد أضحت تستقطب خيرة الموسيقيين والقادة والمؤلفين الموسيقيين في العالم ليس إلا، لخلق تقاليد جديدة وإعطاء الوهج الثقافي والفني الذي تحتاجه الدول في ربط علاقاتها الديبلوماسية واثراءها وتمكين صورتها على المستوى الاقليمي والدولي.
وماذا عن مشكل الانتاج والتوزيع؟
بالنسبة لمشكلة الإنتاج والتوزيع، فهو مشكل عويص ويتم التعامل معه على أنه ظاهرة طبيعية، بينما هو أساس مشكل الإنتاج الموسيقي السيمفوني في بلادنا. فعندما تجد مؤسسة كأوبرا الجزائر، وبعد خمس سنوات من تدشينها، نجد أنها لا توفي بغرض إنشاءها ولا تفي بمهمتها الثقافية ألا وهي تقديم برامج فنية وعروض تصب في مجال الأوبرا وتستقطب جمهور الموسيقى السيمفونية والمسرح الغنائي والكوميدية الموسيقية ورقص الباليه والغناء البوليفوني.
فالأوبرا لديها هوية، لديها مقومات فنية وإدارية، وضوابط تشتغل على أساسها كل اوبيريتات العالم. ألا وهو تقديم أعمال أوبرالية، بأوكسترا وغناء ومسرح وباليه، على الأقل ستة أعمال في السنة، قد يكون من بينها عمل أصلي واحد في السنة. هاته الاعمال حتى القديمة منها (فيردي، موتسارت، فاغنر، تشايكوفسكي، سترافينسكي، روسيني، ماسنيه، …) يجب أن يلمس الجمهور عبر إعادة انتاجها الإبداع والتجديد وذلك على مستوى الأداء والسينوغرافيا والكوريغرافيا والإخراج. هذا هو المعمول به في العالم أجمع.
أوركسترا أوبرا الجزائر هو اليوم بدون تأسيس وهذا عائق كبير للإنتاج الفني الأوبرالي. يجب السعي أولا من أجل أن يكون الموسيقيين تابعون رسميا للأوبرا كما هو حال راقصي الباليه ومختلف الموظفين الإداريين والمستخدمين. كما يجب ضم فنانين مبدعين ومؤديين في اقامات فنية طويلة (على الأقل لثلاث سنوات) كمؤلفي موسيقي ومصممي رقصات وكاتبي أوبرا ومخرجين وقائدي أوركسترا وقائدي مجموعات صوتية. ذلك حتى تتمكن هذه المؤسسة من تقديم أعمال أوبرالية قديمة وجديدة وإنتاج مضامين فنية ترقى إلى مستوى الأوبرا أو على الأقل المسرح الغنائي.